jump to navigation

متدين وعلماني: صور فولاذية لبشر دون ملامح إنسانية مايو 21, 2008

Posted by ramanajmeh in Uncategorized.
trackback

قيل عن القرن العشرين أنه القرن الذي انقضى من أجل لاشيء ولذلك.. ولذلك فقط كان الاحتفال عارماً بذهابه، لكن القرن العشرون لم يذهب بعيداً، فقد ابتدأ بأفكار العلمانية والإيمان وانتهى بصراعهما، أو على الأقل هذا ما يريدوننا أن نعتقده…
نسمع عن حوار الأديان ونسمع عن حوار الشرق والغرب ونسمع عن حوار الحضارات، لكننا لم نسمع بعد عن حوار الدين والعلم، باعتبارهما ايديولوجيتان تختلفان حتى الافتراق البائن، هل حقاً لايوجد جسر يصل بينهما؟
من الملفت للنظر أن سورية شهدت انطلاقة حركة الاصلاح الديني مع الشيخ عبد القادر الجزائري، وهي من شهدت ايضاً انطلاقة النهضة العلمانية مع الحركات القومية، كان المشروعان ومازالا مشروعي دولة، والطريق الذي ارتأته كل جهة لتحقيق النهوض لشعب بحث عن سبيل يقربه من الحضارة ويضعه في مصاف الدول المستقلة، وبالتالي مازال خلافهما سياسياً أكثر من كونه إنسانياً، إلا أنه وفي أتون خلافاتهما ابتعد وضعا من تبعهما وآمن بهما في جزر منفصلة.
يرى الدكتور محمد عابد الجابري أن الحديث عن الدين والعلمانية اكتسى معظم الوقت طابعاً سجالياً صريحاً أو غير صريح، وهذا الخطاب توجهه الرغبة في إبطال رأي الخصوم أكثر من أي شيء آخر، إنه خطاب الردود والردود على الردود وبالتالي فهو لايبني على معرفة ولايبرهن على حقيقة.
اليوم يبدو الإنقسام الأكبر بين العلماني والمتدين، ولكل منهما صورة عن الآخر لا تتزحزح، فالمتدين أو المؤمن يرى العلماني مارقاً متشبهاً بالغرب، ضائع في متع الحياة، فاقد لقيمه متخلٍ عن هويته، متحرر لدرجة “الفلتان” ومتبجح لارادع له، يصدق أي شيء خارج من كتب الرياضيات والفلسفة مهما كان لايصدق، وبالمقابل يراه العلماني بصورة لاتقل سوداوية، فهو المزيف المنافق القدري والساكن، المتخلّف عن العصر، يتبنّى التطرف والعنف، يحبّ النساء بشهوانية، ويرفض الاندماج، وينعزل لدرجة التقوقع، خائف لدرجة اللافعل، يصدق أي شيء يقوله المُفتون مهما كان تافهاً.
وتتفرع الصور لتشمل كل تفاصيل الحياة ولتصبح هناك صور جاهزة لكل منهما عن الآخر، كيف يأكل بيديه أم بالشوكة؟ كيف يحب ويتزوج عبر الخطابة أم بعد المساكنة؟ أي الألوان يحب الأخضر أم  البوردو؟ واي الروائح يكره العنبر أم البيير كاردان؟ وكيف…؟  وكيف…؟
يقول جهاد البدري “لا استطيع أن أتعامل مع متديّن، أنا ابن عائلة علمانية، وأنا فخور جداً بالطريقة التي أفكر فيها، وبتحرري من الغيبيات، كيف سأتعامل مع من يعتقد أنه على حق والعالم كله على خطأ وعلى العالم أن يسير خلفه ولو بالقوة”
هذا التصور ليس مفاجئاً، بعدما أصبح ذلك المفهوم الطالباني للدين مستقراً في الأذهان، بحيث لم يعد كثيرون يرون غيره، فالصورة النمطية للتوجه الديني تمكنت من عقول كثيرين، من جراء الالحاح الاعلامي المضاد المكثف، وبمقتضى هذه الصورة فان ما هو ديني صار مرتبطاً في الأذهان بالتخلف والتطرف ومصادرة الحريات.
على الطرف الآخر ليست السماء صافية ولا الشمس مشرقة، فقد كان من الصعب حتى إيجاد من يتكلم، فمن الأشياء التي أخذت بُعدها الأحادي الفج، أنّ هؤلاء العلمانيين لا يستحقون حتى التوقف عندهم، قالت رنا بعد إلحاح ” من لايؤمن فهو كافر وذاهب لوديان جهنم لا محالة، المسألة بسيطة، هو لايعنيني إلا إذا كان ينشر إلحاده، وغير ذلك هم بحالهم ونحن بحالنا، هم الخاسرون”
الحقيقة إن الخاسر الوحيد هو التفاعل البشري الصافي، غير القائم على حدود وحواجز، فمن المفارقات أن كلمة علمانية لا تعني الإلحاد مطلقاً، فالعلمانية هي ترجمة للكلمة الفرنسية “لاييك” التي تعني الفصل بين ما هو دنيوي وما هو مقدس وليس إلغاء أحدهما على حساب الآخر.
في صورة كاريكاتيرية -والكاريكاتير هو افضل من يختصر الصور التي في عقولنا- يظهر أحدهم راكعاً يصلي، ومن خلفه يمر صاروخ، وعندما يسجد للصلاة يكون الصاروخ قد مر من فوقه بسلام، وهناك صورة أخرى تظهر عالم فيزياء يحمل العدسة المكبّرة ليرى أجساد النساء بصورة أوضح، هذه الصور ليست غريبة عن أحد فهي التي تعطي الوصمة النفسية والاجتماعية المتحجرة من المهد إلى اللحد، معطية بعداً واحداً لشخصية المتديّن ولشخصية العلماني.
سيكون من الطبيعي بعد ذلك، إنكفاء كل مجموعة على نفسها وانعزالها وبالتالي تقوقعها، أي تطرفها واعتبار الآخر مخطئاً حتى النخاع، جاهلاً بكل شيء ومضَللاً والأهم فاقداً لأية قيمة إنسانية.
الغريب كيف يستطيع كل شخص التأقلم مع تناقضاته والدفاع عنها، وفقدان حاسة السمع والرؤية، بل الحواس الخمس.
 أخبرني أحد العلمانيين التقدميين أنه يرى الطقوس التي يقوم بها الهندوس في تدينهم طقوساً جميلة وتعبّر عن حضارة شعب وتمسكه بتقاليده، فيما لا يستطيع تقبل منظر الحجاج حول الكعبة في مكة، على الأغلب أن العلماني الهندي يرى العكس، بكل بساطة إنه رفضُ لمنطق الاختلاف القريب، حيث أكون أنا أو أنت وليس كلانا معاً.
فيما متدينٌ درس في أرقى الجامعات العلمية يشتم كل من يتحدث بتفاسير علمية لظواهر طبيعية، ولا يؤمن بكروية الأرض إلا بعد صدور الفتوى بذلك.
يوجه الدكتور هيثم مناع سؤالاً لعدد من أصدقائه ذوي المنبت العلماني:
“لماذا يحق لماركسي متشدد أن يعبر كالسهم من عرين موسكو إلى الدفاع عن الإدارة الأمريكية مثلاً، في حين أن شاباً يحمل أفكاراً إسلامية محددة في لحظة معينة من حياته لا يحق له نقد ذاته أو أن لا يتعلم من تجاربه واحتكاكه بغيره؟”
في حين يقول الدكتور محمد حبش لأصدقائه المتدينين: “أستغرب كيف يملك العلمانيون صورة عن الدين أكثر احتراماً وصفاءً من الصورة التي ينشرها بعض علمائنا الشيوخ!!”
ربما بالرجوع تاريخياً سنصدم بأن الأشياء ليست كما تبدو عليه أبداً، وأن ما نعتقده يمثل هذه الفئة أو تلك، قد كان بشكل مقلوب يوماً من الأيام، فأبكر عملية انتحارية بسيارة مفخخة كانت من نصيب سناء محيدلي، الفتاة اللبنانية، القومية السورية العلمانية، فيما كان الشيخ ابن رشد هو من قال أن الدين هو رضيع السياسة.
هذا هو الحال مع متدين وعلماني، الأول يجذبك إلى عالم لا وسط فيه، والآخر يضع وجهك في الجدار ويبني خلفك جداراً مثله.
صور فولاذية الحدود يصعب على من يدخلها، كسر بروازها للخروج الى الفضاء الفسيح معانقين الصورة الطبيعية للبشر العاديين الذين يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويحبون ويحلمون ويفرحون، مع بقائهم متدينين أو علمانيين.
ليست هذه المقالة محاولة لإصلاح ذات البين بين اتجاهين فرقتهما السياسة وأبعدهما الظرف التاريخي، لكنها دعوة أن لا نتوقف عند العناوين العريضة، ونتكل عليها، فهذا هو الحل الأسهل، وهو حل لا إنساني لايتفق بالسواء مع المبادئ العلمانية والدينية المعلنة، أما الحل الأصعب والذي يحتاج إلى الروح الإنسانية العميقة والصافية فهو تفهم الفلسفة الحياتية لكل منهما دون أن يعني بالضرورة الإيمان بها، بل تقبّلها وفهمها من منطق ضرورة الاختلاف وجمالياته، ولننظر بعيداً عندما نستطيع، ولندقق بالتفاصيل التي تجعلنا بشراً، فقد يكون ما يجمع اثنين يبدوان مختلفين أكثر بكثير مما يفرقهما…

ملف مجلة شبابلك عن الصورة النمطية
عن موقع مجموعة آرام للصحافة

تعليقات»

No comments yet — be the first.